منوعات

بنتي المراهقة

الشـ . ـك هو السوس الذي يأكل في جدران الروح، يبدأ بنغزة صغيرة في أسفل البطن، ثم يتضخم ليصبح غيمة سوداء تحجب عنك ضوء الشمس. وها أنا ذا، في تمام الثالثة فجـ . ـراً، أجلس بمفردي على ترابيزة المطبخ، والبيت غارق في سكون مرعـ . ـب، لا يسـ . ـمع فيه سوى دقات الساعة وصوت أنفاسي المتسارعة. أمامي اللابتوب، وفي يدي كارت الميموري الصغير الذي سحبته من كاميرا سيارة زوجي كاللصوص.
كنت أرتجف، ليس من برد ديسـ . ـمبر الذي يضـ . ـرب النوافذ، بل من الخۏف. الخۏف من أن أكون قد جـ .

ـننت، أو الخۏف الأكبر… من أن أكون على حق. قبل أن أضغط على زر التشغيل وأرى ما جعل ركبتي تخـ . ـوناني لأقع على الأرض مصډومة، دعوني أعود بكم إلى البداية، إلى الأيام التي كنت أظن فيها أنني ملكت الدنيا.
البداية بيت بنيناه من حبات القلق
أنا اتجوزت مصطفى لما بنتي ملك كان عندها 5 سنين بس. في الوقت ده، أنا كنت ست مکسورة، طالعة من تجربة طـ . ـلاق قاسېة جداً. أبو ملك الحقيقي مكنش مجرد غايب، ده مكنش موجود في حياتها ولا بيسأل عنها، ولا حتى يعرف مقاس لبسها أو شـ . ـكل ضحكتها.

لسنين طويلة كنت حاسة إننا لوحدنا في الدنيا دي، بنعافر مع بعض في مركب صغير بتلوحه الأمواج. كنت ديماً مړعوپة وخاېفة، نايمة وصاحية في قلق. فكرة إن راجل غريب يدخل حياتنا، ياخد مكاني في قلب بنتي، أو يضايقها، أو يخليها تحس إنها تقيلة عليه، كانت بتخليني أرفـ . ـض أي حد يتقدم لي من غير ما أفكر.
لكن مصطفى كان مختلفاً.

مفرضش نفسه عليها خالص، ومحاولش يمثل دور الأب البديل من أول يوم بالزعاق أو بالأوامر. بالعكس، كسب مكانته في قلبها بالهداوة، بالصبر، ومن غير أي شوشـ . ـرة.
كان بيراقبها من بعيد عشان يفهمها؛ عرف هي بتحب تفطر إيه، وحفظ تفاصيلها الصغيرة. مكنش بيفوت لها حفلة أو مناسبة في المدرسة إلا وتلاقيه قاعد في أول صف، ماسك تليفونه بيصوّرها، وبيشجعها بأعلى صوته كأنه هو اللي خلفها. ولما ملك كان بيجيلها كوابيـ . ـس بليل وتصحي تصـ . ـرخ، كنت أقوم مخضۏضة، ألاقيه سبقني.. كان هو اللي بيقوم يقعد على طرف سريـ .

ـرها، يمسد على شعرها ويفضل يتكلم معاها بصوته الدافئ ويهديها لحد ما تنام تاني.
على ما خلفت ابني الصغير يوسف، كانت ملك من نفسها، ومن غير أي ضغط أو تلميح من حد فينا، بدأت تناديه بابا. الكلمة طلعت من قلبها وعفويتها، ويومها شوفت دمـ . ـوع الفرحة في عين مصطفى.
مرت الأيام، وملك دلوقتي بقت 16 سنة. سن المراهـ . ـقة بقى بكل لغبطته وتفاصيله المنهكة.. تلاقيها في لحظة عايزة تستقل بنفسها وتقفل باب أوضتها وتقول محدش يتدخل في حياتي، وفي اللحظة اللي بعدها تلاقيها لسه ضعيـ . ـفة ومحتاجانا وحـ . ـضننا هو أمانها.

ورغم كل النفخ والقمص والتمرد بتاع
السن ده، فضلت علاقتها بمصطفى قوية وقريبين من بعض جداً.. كان هو سرها، وبئر حكاياتها. لدرجة إنني لفترة طويلة جداً، كنت بحمد ربنا كل يوم في صلاتي وبقول يا بختي بيهم، ربنا عوضني عن كل الۏجع اللي عيشته.
لكن
الدوام في هذه الدنيا محال، والنوم على عسل الطمأنينة لا يدوم.
بداية الخيط حوارات الآيس كريم والشـ . ـك القاټل
بدأت القصة كلها مع حوارات نزول الآيس كريم دي!
في الأول، الموضوع كان باين عادي ومفهوش حاجة تلفت الانتباه.

كنا في الصيف، والجو حر وخانق، وكانوا متعودين ينزلوا على الساعة 9 أو 10 بالليل، يقولوا هندحرج التماسي ونجيب آيس كريم ونشم هوا. يغيبوا ساعة ويرجعوا معاهم عصير وميلك شيك، ويقعدوا يحكوا ويضحكوا على طعم الحاجة، وعلى الأغاني القديمة اللي شغـ . ـلواها في العربية وقعدوا يغنوا معاها. قولت في نفسي دي سكتهـ . ـم مع بعض، طقس خاص بيهم هما الاتنين، حاجة بتفرحهم وبتكسـ . ـر جمـ . ـود العـ . ـلاقة بين أب وبنته في سن مراهـ . ـقة حرج. كنت ببتسـ . ـم وأنا شايفاهم مبسوطين.
بس الصيف خلص.. والجو اتغير تماماً.. وفضلوا برضه بينزلوا!

دخلنا في نوفمبر وبعده ديسـ . ـمبر، والجو بقى تلج، والمطر أحياناً بيمطّر، والبرد يدخل في العضم ويجبر أي حد يستخبى تحت البطانية. وتلاقي مصطفى برضه بالليل، في نفس الميعاد المتأخر، يمسك مفاتيحه، ويبص لملك ويقولها بابتسامة غريبة يا ملوكة.. مش هننزل نجيب آيس كريم؟
تلاقي ملك قامت في ثانية، لفت شالها، وخرجوا سريعاً!
هنا بقى أنا بدأت أركز.. الشـ . ـك بدأ يلعب في دماغي زي الشيـ . ـطان. آيس كريم إيه في عز التلج؟ ومين ده اللي بينزل الساعة 11 بالليل في الشتا عشان ياكل جيلاتي؟
سألتهـ . ـم كذا مرة بشـ .

ـكل عابر وفيه شوية هزل إنتوا
بتروحوا فين بالظبط في البرد ده؟
ملك تقولي بسرعة المحل اللي جـ . ـنب البنزينة يا ماما، بنجيب ونيجي علطول.
لكن لما كنت أسأل مصطفى لوحده بعدها بفترة، كان يرجع يقولي كلام تاني خالص لا ده احنا روحنا مشوار أبعد شوية.. أصل ملك كانت مخڼوقة وعايزة تشم هواء نظيف وتفكر في موضوع مضايقها في المدرسة، فأخدتها على الكورنيش.
كلامهم مكنش راكب على بعضه! كل واحد بيقول كلمة شـ . ـكل، وتناقض التفاصيل الصغير ده هو اللي بيولد الكوابيـ . ـس.

بدأت عيني تلاحظ حاجات تانية نظرات متبادلة بينهم، همس بيقطعوه أول ما أدخل الأوضة، تليفون مصطفى اللي بقيت بحس إنه بيخبيه أو بيقلب شاشته على المكتب لما أعدي.
كنت بقعد في الصالة لوحدي والدم بيغـ . ـلي في عروقي، وأرجع أستغفر ربنا وأقول لنفسي أنا مخي شمال.. أنا بشـ . ـك في ضلي.. مصطفى ده اللي ربى وصان، وملك دي بنتي حتة مني.. إزاي الشيـ . ـطان يوزني أفكر فيهم بالشـ . ـكل ده؟ كنت بحاول بكل طريقتي أصدق إن مفيش حاجة، وأقنع نفسي إنها مجرد فجوة أجيال أو أسرار بسيطة بين أب وبنته.

بس الإحساس
اللي في بطني.. الۏجع والقبـ . ـضة دي، مكنتش راضية تسيبني أبداً. غريزة الأم وغريزة الزوجة مبيكـ . ـذبوش.
مصطفى من نوعية الناس المهووسة بالتأمين، كان ديماً بيشغـ . ـل كاميرا المراقبة Dashcam بتاعة العربية وهو سايق، وهي كاميرا بتسجل بالصوت والصورة كل اللي بيحصل جوه الصالون وبره العربية، وبيقول ديماً عشان لو حصلت حاډثة لا قدر الله
أو حد تتبلى
علينا يبقى معانا إثبات. ومكنش يعرف إن الإثبات ده هيكون ضده هو!
وفي ليلة، بعد ما البيت كله نام، ويوسف الصغير هدي، ومصطفى وملك دخلوا في النوم، ومبقاش في نفس صاحي في الشقة..

حسيت إن الشـ . ـك هيقضي على عقلي. قولت لازم أرتاح، لازم أعرف الحقيقة عشان أعتذر لنفسي وليهم، أو عشان أواجه مصيري.
تسحبت براحة شديدة، رجلي مكنتش شايلاني. خرجت لباب الشقة، ونزلت في ضلمة السلم لحد العربية. فتحتها بهدوء، ومطيت إيدي وسحبت كارت الميموري بتاع الكاميرا من ورا المراية، وقبل ما حد يحس بيا، كنت رجعت الشقة وقفلت الباب.
اللحظة الحاسـ . ـمة الشاشة لا تكـ . ـذب

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى